Breaking News
Loading...
  • وذكر
  • سؤال وجواب
  • احاديث نبوية

سؤال وجواب

احاديث نبوية

الثلاثاء، 8 يوليو، 2014
من أسباب محبة الله تعالى عبدا (صيام داود - عليه السلام)

من أسباب محبة الله تعالى عبدا (صيام داود - عليه السلام)


لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحبّ الصيام إلى الله صيام داود؛ كان يصوم يومًا ويفطر يوما» الحديث[1].

ويعد الصوم فريضة شرعيَّةً في كل دين سماوي؛ بل هو شعار المسلمين في كل زمن، ومن أفضل أبواب النوافل، ومن أجمع العبادات؛ بل هو فريضة ونافلة وكفارة ونذر، وهو إيمان وإسلام وخلق. ومع ذلك - فشأن تلك الشريعة الغراء كلِّها- يرعى الصيام الحقوق التي لله تعالى والتي للنفس، وتلك التي للأهل والأضياف والداعين للطعام وغيرهم.. قال عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا -: قَالَ لِي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عَبْدَ الله! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ»؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله! قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ الله دَاوُدَ - عليه السلام - وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ»، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ الله دَاوُدَ - عليه السلام؟ قَالَ: «نِصْفَ الدَّهْرِ»؛ فَكَانَ عَبْدُ الله يَقُولُ -بَعْدَ مَا كَبِرَ-: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -[2]!!

وفي قصة الحديث عند البخاري قال عبد الله - رضى الله عنه -: «أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أقول والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت»[3].. وله أيضًا: «ذكر[4] للنبي - صلى الله عليه وسلم - صومي، فدخل علي، فألقيت له وسادة»، وله أيضًا: «بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أني أسرد الصوم وأصلي الليل، فإما أرسل لي وإما لقيته»، ويجمع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثم أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد. قوله‏: «‏فلا تفعل»‏ زاد البخاري «فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين»[5].

قوله: «‏وإن لزورك‏» - بفتح الزاي وسكون الواو- لضيفك، والزور مصدر وضع موضع الاسم كصوم في موضع صائم ونوم في موضع نائم، ويقال للواحد والجمع والذكر والأنثى زور، قال ابن التين‏:‏ ويحتمل أن يكون زور جمع زائر كركب جمع راكب وتجر جمع تاجر. زاد مسلم «وإن لولدك عليك حقا»[6]، وزاد النسائي «وإنه عسى أن يطول بك عمر»[7]، وفيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو بعد ذلك من الكبر والضعف.

أمر - صلى الله عليه وسلم - بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر؛ فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر؛ فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك، زاده بالتدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر يوما.

وقد استشكل قوله: «صم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر ما بقي» مع قوله: «صم كل عشرة أيام يومين ولك أجر ما بقي» الخ؛ لأنه يقتضي الزيادة في العمل والنقص من الأجر.. وأجيب بأن المراد لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف، قال عياض‏:‏ قال بعضهم معنى «صم يوما ولك أجر ما بقي»؛ أي من العشرة، وقوله: «‏صم يومين ولك أجر ما بقي»؛ أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل وقلة الأجر، وتعقبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كل ذلك؛ لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر فلما منعه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك إبقاءً عليه لما ذكر في أجر نيته على حاله سواء صام منه قليلا أو كثيرا، كما تأوله في حديث «نية المؤمن خير من عمله»[8]؛ أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله‏.

قال الحافظ: والتأويل المذكور لا بأس به، ويحتمل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوتها مشقة الصوم؛ فينقص الأجر باعتبار ذلك، على أن قوله في نفس الخبر «صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي»‏ يرد الحمل الأول، فإنه يلزم منه -على سياق التأويل المذكور- أن يكون التقدير‏:‏ ولك أجر أربعين، وقد قيده في نفس الحديث بالشهر والشهر لا يكون أربعين، وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائي «صم من كل عشرة أيام يوما ولك أجر تلك التسعة»، ثم قال فيه: «من كل تسعة أيام يوما ولك أجر تلك الثمانية»، ثم قال: «من كل ثمانية أيام يوما ولك أجر السبعة»، قال: فلم يزل حتى قال: «صم يوما وأفطر يوما»[9]؛ فهذا يدفع في صدر ذلك التأويل الأول، والله أعلم.

قوله: «‏ولا تزد عليه»؛‏ أي على صوم داود.

قوله: «‏وكان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كبر‏:‏ يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»،‏ قال النووي‏:‏ معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشق عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنى أن لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف، قلت‏:‏ ومع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف.

قوله: «‏باب صوم الدهر»؛‏ أي هل يشرع أو لا‏؟‏ قال الزين بن المنير‏:‏ لم ينص على الحكم لتعارض الأدلة واحتمال أن يكون عبد الله بن عمرو خص بالمنع لما اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه من مستقبل حاله، فيلتحق به من في معناه ممن يتضرر بسرد الصوم، ويبقى غيره على حكم الجواز لعموم الترغيب في مطلق الصوم، كما في حديث أبي سعيد مرفوعا «من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار».

وللبخاري «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؛ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا؛ فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ - عليه السلام - وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ»[10].. قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: قوله: «فإنك لا تستطيع ذلك‏»‏ يحتمل أن يريد به الحالة الراهنة لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه يتكلف ذلك، ويدخل به على نفسه المشقة، ويفوت به ما هو أهم من ذلك، ويحتمل أن يريد به ما سيأتي بعد إذا كبر وعجز، كما اتفق له سواء، وكره أن يوظف على نفسه شيئا من العبادة ثم يعجز عنه فيتركه لما تقرر من ذم من فعل ذلك‏.

قوله: «وصم من الشهر ثلاثة أيام»‏ بعد قوله «فصم وأفطر»‏ بيان لما أجمل من ذلك، وتقرير له على ظاهره؛ إذ الإطلاق يقتضي المساواة.

قوله: «مثل صيام الدهر» يقتضي أن المثلية لا تستلزم التساوي من كل جهة؛ لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يصدق على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازا.

قوله - بعد ذكر صيام داود -: «‏لا أفضل من ذلك»‏ ليس فيه نفي المساواة صريحا، لكن قوله -في الرواية الماضية-: «أحب الصيام إلى الله صيام داود»‏ يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقا، ورواه الترمذي «أفضل الصيام صيام داود»‏، وكذلك رواه مسلم، ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضلة.

ترجم البخاري: «‏باب حق الأهل في الصوم»، وروى فيها حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء وقول سلمان لأبي الدرداء -رضي الله عنهما-: «وإن لأهلك عليك حقا»، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك[11].

وفي رواية للبخاري: «وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى» قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ الله؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» مَرَّتَيْنِ[12].. قال الحافظ -رحمه الله تعال-: قوله: «ولا يفر إذا لاقى» زاد النسائي «وإذا وعد لم يخلف»، ولها مناسبة بالمقام وإشارة إلى أن سبب النهي خشية أن يعجز عن الذي يلزمه؛ فيكون كمن وعد فأخلف، كما أن في قوله: «ولا يفر إذا لاقى»‏ إشارة إلى حكمة صوم يوم وإفطار يوم، قال الخطابي‏:‏ محصل قصة عبد الله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصر في غيره؛ فالأولى الاقتصاد فيه ليستبقي بعض القوة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في داود عليه السلام: «وكان لا يفر إذا لاقى لأنه كان يتقوى بالفطر لأجل الجهاد».

قوله: «لا أدري كيف ذكر صيام الأبد».. الخ؛‏ أي أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصة، إلا أنه حفظ أن فيها أنه - صلى الله عليه وسلم - قال «لا صام من صام الأبد»،‏ وقد روى أحمد والنسائي هذه الجملة وحدها من طريق عطاء.

قوله: «لا صام من صام الأبد» مرتين‏ في رواية مسلم: قال عطاء:‏ فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -‏:‏ «لا صام من صام الأبد.. لا صام من صام الأبد»،‏ واستدل بهذا على كراهية صوم الدهر، قال ابن التين: استدل على كراهته من هذه القصة من أوجه‏:‏ نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الزيادة، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله: «لا أفضل من ذلك»‏، ودعاؤه على من صام الأبد. وقيل معنى قوله «لا صام»‏ النفي؛ أي ما صام؛ كقوله تعالى: «‏فلا صدق ولا صلى»‏، وقوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سئل عن صوم الدهر: «لا صام ولا أفطر»،‏ أو «ما صام وما أفطر»،‏ وفي رواية الترمذي «لم يصم ولم يفطر»،‏ وهو شك من أحد رواته، ومقتضاه أنهما بمعنى واحد، والمعنى بالنفي أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك‏. وإلى كراهة صوم الدهر مطلقا ذهب إسحاق وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فقال يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمرو الشيباني قال: بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول‏:‏ كل يا دهري، ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر فقال عمرو بن ميمون‏:‏ لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه، واحتجوا أيضًا بحديث أبي موسى رفعه «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم»، وعقد بيده[13]، وظاهره أنها تضيق عليه حصرا له فيها؛ لتشديده على نفسه، وحمله عليها ورغبته عن سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واعتقاده أن غير سنته أفضل مها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراما.

وإلى الكراهة مطلقا ذهب ابن العربي من المالكية؛ فقال‏:‏ قوله «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان معناه الخير فيا ويح من أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعا لم يكتب له الثواب؛ لوجوب صدق قوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر، وحملوا أخبار النهي على من صامه حقيقة؛ فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين، وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، وروي عن عائشة نحوه، وفيه نظر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال جوابا لمن سأله عن صوم الدهر: «لا صام ولا أفطر»،‏ وهو يؤذن بأنه ما أجر ولا أثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك؛ لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة يكون قد فعل مستحبا وحراما، وأيضًا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعا؛ فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله: «لا صام ولا أفطر» لمن لم يعلم تحريمها‏.

وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه، ولم يفوت فيه حقا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، قال السبكي‏:‏ أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوت حقا، ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب، ويتجه أن يقال: إن علم أنه يفوت حقا واجبا حرم، وإن علم أنه يفوت حقا مندوبا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة؛ فترجم «ذكر العلة التي بها زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم الدهر»، وساق الحديث الذي فيه «إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك»،‏ ومن حجتهم حديث حمزة بن عمرو؛ الذي مضى فإن في بعض طرقه عند مسلم «أنه قال: يا رسول الله! إني أسرد الصوم»؛‏ فحملوا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو «لا أفضل من ذلك»؛‏ أي في حقك؛ فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة أو يفوت حقا، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد فلو كان السرد ممتنعا لبينه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قاله النووي، وتعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر؛ فقد قال أسامة بن زيد: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسرد الصوم، فيقال لا يفطر»[14]، ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصوم الدهر؛ فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر.

والأولى إجراء الحديث على ظاهره، وحمله على من فوت حقا واجبا بذلك؛ فإنه يتوجه إليه الوعيد.. وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه، ويترجح من حيث المعنى أيضًا بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدم، وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارا، ويألف تناوله في الليل؛ بحيث يتجدد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يوما ويفطر يوما فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالبا من تفويت الحقوق كما تقدمت الإشارة إلي فيما تقدم قريبا في حق داود - عليه السلام - «ولا يفر إذا لاقى»؛ لأن من أسباب الفرار ضعف الجسد، ولا شك أن سرد الصوم ينهكه، وعلى ذلك يحمل قول ابن مسعود فيما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه أنه قيل له إنك لتقل الصيام، فقال‏:‏ إني أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام، نعم إن فرض أن شخصا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلا ولا يفوت حقا من الحقوق التي خوطب بها لم يبعد أن يكون في حقه أرجح، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة فترجم ‏«الدليل على أن صيام داود إنما كان أعدل الصيام وأحبه إلى الله؛ لأن فاعله يؤدي حق نفسه وأهله وزائره أيام فطره بخلاف من يتابع الصوم»،‏ وهذا يشعر بأن من لا يتضرر في نفسه ولا يفوت حقا أن يكون أرجح، وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال‏؛ فمن يقتضي حاله الإكثار من الصوم أكثر منه، ومن يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزج فعله، حتى أن الشخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرا[15].

خلاصة هذا السبب:
أن أحب صيام التطوع إلى الله تعالى؛ أي الذي بعد صيام رمضان لأنه الفريضة وهي أحب إلى الله تعالى، هو صيام داود - عليه السلام - وهو صيام يومٍ وفطر يوم لمن داوم عليه، ولو داوم على أقل من ذلك كان أحبَّ إلى الله تعالى من أن يفعله بلا مداومة، والله أعلم.


[1] [متفق عليه] سبق تخريجه.
[2] أخرجه البخاري في كتاب الْصَوْمِ، باب/ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْم (ح1849).
[3] أخرجه البخاري في كتاب الْصَوْمِ، باب/ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْم (ح1976).
[4] أي أبوه عمرو بن العاص رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في كتاب الْصَوْمِ، بَاب/ صَوْمِ دَاوُدَ - عليه السلام - (ح1979).
[6] أخرجه مسلم في كِتَاب الصِّيَام، باب/ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّر (ح1970).
[7] أخرج هذه الزيادة البخاري في كِتَاب الْأَدَبِ، باب/ حَقِّ الضَّيْفِ (ح5698) بلفظ: «وإنك» بدل «وإنه».
[8] قال ابن حجر: والحديث المذكور ضعيف وهو في «مسند الشهاب».
[9] [حسن] وأخرجه أحمد (ح6912) بسند رجاله ثقات، عدا الحارث بن عبد الله المخزومي: صدوق حسن الحديث، ورجاله رجال مسلم.
[10] أخرجه البخاري في كتاب الْصَوْمِ، باب/ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصَّوْم (ح1976).
[11] أخرجه البخاري في كتاب الْصَوْم، باب/ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ (ح1842).
[12] أخرجه مسلم في كِتَاب الصِّيَام، باب/ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ تَضَرَّرَ (ح1973).
[13] [صحيح] أخرجه أحمد في «مسنده» (ح19274)، بلفظ: «وَقَبَضَ كَفَّهُ»، وبسند متصل رجاله على شرط البخاري.
[14] [حسن] أخرجه النسائي في كِتَاب الطَّهَارَة، التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُقِيمِ (ح2329) بسند حسن.
[15] انظر: «فتح الباري» (ج4 ص220-224).



الغزوات والفتوحات والانتصارات في شهر رمضان قراءة في بعض المعارك الخالدة

الغزوات والفتوحات والانتصارات في شهر رمضان قراءة في بعض المعارك الخالدة



يشهد التاريخ الإسلامي أنَّ أغلب الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون في شهر رمضان كانت تُكلَّل بالفوز والانتصار، من هنا حرص الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن تكون أغلبُ غزواته في شهر رمضان؛ تقربًا إلى الله - عزَّ وجلَّ - وإرشادًا للمسلمين إلى سبيل الاسـتعداد لاحتمال الشـدائد في الجهاد، وهنا تجتمع - لدى المجاهد الصائم - مجاهـدةُ النفس ومجاهدةُ الأعداء؛ فإنِ انتصر تحقَّق له انتصاران: هما الانتصار على هوى النفس، والانتصار على أعداء الله، وإذا استُشْهِد لقِيَ الله - سبحانه وتعالى - وهو صائم، وتحقَّق فيه قولُ الله - تبارك وتعالى -: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111].


كمنطلق: إن التفسير الإسلامي للتاريخ منبثقٌ من تصوُّر الإسلام للكون، والحياة، والإنسان، فهو يقوم على الإيمان بالله - تعالى - وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر؛ خيره وشره، من الله - تعالى - فهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، كما أنه مبنيٌّ على دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يجعل حركةَ التاريخ الإسلاميِّ ذاتَ طابع متميز عن حركة التاريخ الإسلامي العالمي لأثر الوحي الإلهـي فيه [1] .

وفي هذه المداخلة لن تكون سردًا لتفاصيل الغزوات التي سجَّلها التاريخ الإسلامي خلال شهر رمضان - هذا يحتاج إلى دراسات متفرقة - بل سنقف عند أهم المحطات والدوافع المحركة والعبر المستخلصة.

وإليك - أخي القارئ الكريم - أهمَّ الغزوات التي سجَّلها التاريخ الإسلاميُّ خلال شهر رمضان المبارك:

1- غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة


في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك، وفي السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة، دارت رَحَى معركة فاصلة بين الإسلام والكفر، بين الإيمان والطغيان، بين حزب الله وحزب الشيطان، تلكم هي غزوة بدر الكبرى.

إنها موقعةٌ فاصلةٌ في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ البشرية كلِّها إلى يوم الدين، إنها معركة الفرقان؛ {إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41].





وهذه الموقعة شكَّلت محطةً بارزةً في ردِّ العدوان الشركيِّ؛ إذ مكث النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بضِعَ عَشْرةَ سنةً ينذر بالدعوة من غير قتال، صابرًا على شدة إيذاء العرب بمكة المكرمة، واليهود بالمدينة المنورة، فكان يأتيه أصحابُه ما بين مضروب ومجروح، يشكون إليه حالهم، ويطلبون منه السماح لرد العدوان بالمثل، فيقول لهم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اصبروا لأنيِّ لم أُؤمرْ بالقتال))، حتى إن بعض أصحابه قُتِل من جراء العذاب؛ منهم: سميَّة أمُّ عمار بن ياسر، وزوجُها ياسر، عذَّبهما المغيرة على إسلامهما؛ ليرجعا عنه، وماتا تحت العذاب[2].

والغزوة ليست للاعتداء والظلم، كما هو ديْدَنُ الدول الباغية الظالمة المستكبرة في الأرض، بل وسيلةٌ لدفع العدوان؛ وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله - سبحانه وتعالى -: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: آية 39-40].

أضفْ إلى ذلك ما مُني به المسلمون من الظلم والاعتداء، وما أُكرِهوا عليه من الإخراج من الديار والأوطان بغير حق؛ ويقول الله - سبحانه وتعالى -: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: آية 75]، وتلبيةً للنداء الرباني، وسعيًا للقضاء على الظلم بأنواعه؛ خرج الحبيبُ المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومعه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً؛ لاعتراض قافلة تجارية قادمة من الشام، فيها أموال عظيمة لقريش، يقودها أبو سفيان بن حرب، فلما عَلِم أبو سفيان بخُطَّة المسلمين انحاز بالقافلة، ولَحِق بساحل البحر، واستنفر قريشًا للدفاع عن تجارتهم وأموالهم، فخرجوا في ألف شخص مزهوّين بقوتهم وعتادهم، يعلنون التحدي والطغيان؛ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]، فالتقى الجيشان صبيحةَ يوم السبت السابع عشر من شهر رمضان، في منطقة "بدر" بين مكة والمدينة؛ {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا * لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42 – 43].

وكان المسلمون - لضعفهم وقلة عتادهم - يودُّون الظفر بالقافلة، ولا يتمنون لقاء الجيش المكي؛ {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7]، وعندما بدأت المعركة، وحَمِيَ وطيسُها، واشتد أُوارها، واشتعلت نارها، أيَّد الله - سبحانه وتعالى - أهلَ الحق بملائكة السماء؛ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، بل وقاتلتِ الملائكة مع المؤمنين؛ {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]، إنها ليست بطولاتٍ أرضيةً محضة، بل هي مؤيَّدةٌ من قِبَل الله - جلَّ وعلا - تستمد قوَّتَها من خلال دعائه، والاستغاثة به، واللجوء إليه، والتوكل عليه، فيمُدُّ أصحابَها بتأييده ونصره؛ قال - تعالى -: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

فكانت النتيجة هزيمةً ساحقة وقعتْ على الظلم والشرك وأهله، وأعوانه ومؤيديه، وتمخِّضتْ عن هلاك عدد كبير من فراعنة قريش وصناديدها.

دروس وعبر:
إن دعوة الإسلام اليوم تُواجه ظروفَ المسلمين الذين خاضوا معركة بدر، فنصرهم الله وأعزَّهم، وجدير بنا أن نتلمسَ العبرَ والعِظَاتِ من هذه الغزوة المباركة؛ لتكون لنا نِبراسًا وهاديًا، ونحن نخوض معركتنا مع أعداء الله - عزَّ وجلَّ - وتَظهر للمتأمل جملةٌ من الحقائق التي تنير الطريق:
أ- إن الدعواتِ الأرضيةَ لن تُجمِّعَ الأمة، ولن تُنشئَ قاعدةً صُلبة تحفظ الأمة، وتُعيد لها كرامتها، فلا اللغة، ولا القومية، ولا الأنساب، أغنتْ يوم بدر؛ بل العقيدة الإسلامية.

ب- إن النصر ليس بالعدد الكثير ولا بالسلاح الوفير، إنه مقرون بالإخلاص في العمل، وجميل التوكل على الله.
ج- إن النصر في "بدر" لم يكن لفئة خاصة أو دولة معينة، بل لعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
د- على المسلم ألاَّ يستعجل النتائج، ولا يطلب منه سوى القيام بالواجب: (الإخلاص في العمل، الاستعداد، العدة العسكرية، ...).

2- "فتح مكة" في السنة الثامنة من الهجرة

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: ١ - ٣]
ورد في تفسير هذه السورة الكريمة أن المراد بالنصر: العون، وأما الفتح، فهو فتح مكة، كما قال مجاهد، ونقل الحافظ عبدالرحمن بن الجوزي في تفسيره عن الحسن - رضي الله عنه - قال: "لمَّا فتح رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكَّةَ، قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان – أي: طاقة - فدخلوا في دين الله أفواجًا".

إن فتح مكة في الثالث والعشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة شكَّل الآية العظمى على مدى الأخلاقية النبوية الإنسانية التي التزم بها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - مقدمًا أرفع نموذج للتسامح والتواضع والسموِّ الذي عرفته البشرية عبر تاريخها.

وعندما هاجر لُوحق ورُصدتْ الأموال الطائلة لمن يغتاله، بعد أن فشلت مؤامرة قتله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في داخل مكة، ثم - أخيرًا - الأعوام الثمانية التي قضاها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -  في مكة، وهم يلاحقونه ويتربصون بكل أصحابه، ولا تمرُّ الأيام أو الأسابيع إلاَّ وهم متآمرون عليه مع اليهود أو المنافقين، أو مُوعِزون لبعض القبائل بترويعه في المدينة والسطو على مسارح المسلمين التي تسرح فيها دوابهم، أو مقاتلون له مباشرة طورًا ثالثًا.

وها هي السنوات الطوال قد مضت، وها هو أنبل الناس وأزكى الناس، الذي حورب واضطُهِد يعود فاتحًا لبلده، أَجَل، بلده مكة التي أُخرج منها وهو يذرف الدمع ويقول: ((والله إنك لأحب بلاد الله إليَّ، ولولا أنَّ أهلَكِ أخرجوني منك ما خرجْتُ)).

المشهد المؤثر بعد معركة الفتح:
بينما - صلَّى الله عليه وسلَّم - يخفق قلبه بأروع المشاعر؛ لأنه في طريقه إلى المسجد الحرام والكعبة، وقد فعل ما أراد، واستلم الحجر الأسود، طاف بالبيت، ولم يكن محْرمًا، وهو يتلو قول الله – تعالى -: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، ثم دخل إلى جوف الكعبة، فأزال آثار الوثنية من داخلها، كما أزالها من خارجها، ثم دار في البيت يُوحِّد الله ويُكبِّره، وكل ذلك وهم ينظرون إليه، إنهم في وادٍ بعيد عنه، إنه في الآخرة، في الملأ الأعلى، أما هم فيفكرون هَلِعين فيما ينتظرهم، متذكرين ماضيهم الأسود معه.

ونظر - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى آلاف الوجوه التي فعلت به الأفاعيل طِيلَة عقدين من الزمان، بعد أن دخل مكة من أعلاها، من كداء، وهو يضع رأسه - وهو راكب - على دابَّته، تكاد تلامس رأسه ظهر الدابة؛ تخشُّعًا وخضوعًا لله، وهم ينتظرون القضاء العادل، لكنهم مع ذلك كانوا يعرفون أن محمدًا هو محمد رسول الرحمة؛ لأنه الرسول الأخلاقي الذي وصفه ربُّه بالخلق العظيم؛ {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، إنه لن يعاملهم بالعدل، فلو عاملهم بالعدل لانتهى كل شيء، ثم فاجأهم النبيُّ الأعظم بالسؤال: ((يا معشرَ قريش، ما تظنون أنِّي فاعلٌ بكم؟))، وكأنما كان السؤال نفسه طوق نجاة لهم، فسرعان ما أجابوه قائلين: خيرًا، أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم، قال: ((فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]، اذهبوا، فأنتم الطلقاء)).

ثم تتوالى آيـات عظمته، وعندما كانت الجيوش الإسلامية تزحف على مكة في ظل أوامر صـارمة بعدم إراقة الدماء إلاَّ في الدفاع عن النفس - أخطأ أحد القادة - وهو الرجل العظيم سعد بن عبادة - فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم يذلُّ الله قريشًا، فانتُزِعتْ منه الراية - بأمر الرسول - وأعطيت لابنه قيس، وصَحَّح الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - العبارة حتى لا تذهب إلى الناس وتُروِّعهم قائلاً: ((اليوم يوم المرحمة، اليوم يُعزُّ الله قريشًا))، وقد صدق؛ فلولاه ولولا دخول مكة في الإسلام لما كانت لمكة قيمة، ولَمَا كان لقريش قيمة أبدًا.

3- معركة "حطين" واسترداد بيت المقدس

بين المسلمين بقيادة صلاح الدين، وبين الصليبين


قام المجاهد "عماد الدين زنكي" - رحمه الله - بعد قتال عنيف مع الحاميات الصليبية باستعادة بعض المدن والإمارات؛ من أبرزها: إمارة "الرها" عام 1144م، وواصل خَلَفُه "نور الدين محمود" - رحمه الله - التصدي للفرنجة؛ فمَدَّ نفوذَه إلى دمشق عام 1154م، واستكمل القائد المجاهد "صلاح الدين الأيوبي" - رحمه الله -[3] تلك الانتصارات فكانت معركة حطين الشهيرة التي استُرِدَّ بعدها بيت المقدس عام (583هـ - 1187م).

وكان صلاح الدين الأيوبي يعلم علم اليقين أن النصارى الصليبيين ليسوا من السهولة أبدًا؛ ولذلك سارع إلى إدخال إصلاحات جذرية في الجهاد، وكان يطبق قول الله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]؛ ولذلك هيَّأه الله - سبحانه وتعالى - لترتيب صفوف المسلمين، وفي تخطيطه - رحمه الله - لإعداد الأمة للجهاد، لم يكن الرجل يُعِدُّ نفسَه وأهلَ بيته فقط، ولا المدن التي كانت حوله فقط، كان يُعدُّ الأمة الإسلامية قاطبةً لحرب الصليبيين. وابتدأت المسألة من جوانب الاقتصاد، وإعداد السلاح، والجند والجيوش، والدواوين والأسلحة، والمؤن والذخائر والعتاد، والخطط الحربية، وسنأتي على كل شيء بلمحات تُبيِّن عِظَمَ تلك العقلية التي قيَّضها [أي: هيَّأها وسبَّبها] الله - سبحانه وتعالى.

فعلاً، كانت معركة حطين تمهيدًا لدخول صلاح الدين - رحمه الله - إلى بيت المقدس، وتم بفضل الله نصر الله المبين حيث التقتْ جيوش المسلمين بجيوش الصليبيين في "حطين"، وكان ذلك في عام 583هـ - 1187م.

لقد جمع الصليبيون عشرين ألف مقاتل، جمعوهم من كل دويلات الصليبيين واشتبك الجيشان، وانجلت المعركة عن نصر ساحق لصلاح الدين مع تدمير تام لجيش أعدائه، لم يكن أمام جيش صلاح الدين بعد معركة حطين إلاَّ أن يتقدم نحو القدس، وقبل أن يتقدَّم نحوها استسلم له حصن "طبرية"، وفتح "عكَّا"، واستولى على "الناصرية"، و"قيسارية"، و"حيفا"، و"صيدا"، و"بيروت"، وبعدها اتَّجه صلاح الدين إلى القدس.

استرداد القدس:
ولكن الصليبيين تحصَّنوا بداخلها، فاتَّخذ صلاح الدين "جبل الزيتون" مركزًا لجيوشه، ورمى أسوار المدينة بالحجارة عن طريق المجانيق التي أمامها، ففرَّ المدافعون، وتقدَّم المسلمون ينقبون الأسوار، فاستسلم الفرنجة، وطلبوا الصلح، فقبل صلاح الدين، واتفق الطرفان على أن يخرج الفرنجة سالمين من المدينة على أن يدفع الرجل عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والصبي دينارين، ووفَّى المسلمون لهم بهذا الوعد، وكان ضمن من خرجوا "البطريرك الأكبر" يحمل أموال البِيَع (الكنائس)، وذخائر المساجد التي كان الصليبيون قد غنموها في فتوحاتهم.
المشهد المؤثِّر بعد المعركة:
يمكن استخلاصُ عِبَرًا كثيرة في سياق موقعة "حطين" الشهيرة، لكنَّ المشهد الذي استوقفني:
رحمة صلاح الدين:
"ويُروى أن مجموعةً من النبيلات والأميرات قلْنَ لصلاح الدين - وهنَّ يغادرْنَ بيت المقدس -: "أيُّها السلطان، لقد مننْتَ علينا بالحياة، ولكن كيف نعيش وأزواجنا وأولادنا في أسرك؟! وإذا كنا ندع هذه البلاد إلى الأبد، فمَن سيكون معنا من الرجال للحماية والسعي والمعاش؟! أيُّها السلطان، هَبْ لنا أزواجنا وأولادنا؛ فإنك إن لم تفعلْ أسلمْتنا للعار والجوع"، فتأثر صلاح الدين بذلك، فوهب لهنَّ رجالهن".


مَلَكْنَا  هَذِهِ   الدُّنْيَا   قُرُونا        وَأَخْضَعَهَا  جُدُودٌ   خَالِدُونَا
وَسَطَّرْنَا صَحَائِفَ مِنْ ضِيَاءٍ        فَمَا نَسِيَ الزَّمَانُ  وَلَا  نَسِينَا

رحمك الله يا صلاح الدين، فقد كنت مثالاً للرحمة والعفو وحسن الخلق، وكنت مثالاً حسنًا لمبادئ الحضارة الإسلامية وعظمة الإسلام، وانظروا إلى الحضارة الغربية التي تأتي على الأخضر واليابس في العراق وأفغانستان، بل انظروا إلى ما تصنعه الآلة العسكرية الصهيونية في فلسطين، لا تفرق بين المدنيين والعسكريين؛ بل تستهدف حتى الرضَّع، إنها ثقافة الجبناء!


4- معركة "عين جالوت"
حيث انتصر المسلمين على التتار، بين المسلمين بقيادة "سيف الدين قطز" والمُغُول

في عهد الدولة المملوكية استطاع "سيف الدين قطز" و"الظاهر بيبرس" صدَّ الغزو المغُولي الذي اجتاح أجزاءً واسعةً من العالم الإسلامي في معركة "عين جالوت" قرب الناصرة في عام 1259م، فكانت واحدةً من أهم وأشهر المعارك الإسلامية.

الخروج إلى القتال:
في (شهر رمضان 658هـ = أغسطس 1260م) خرج "قطز" من مصر على رأس الجيوش المصرية، ومَن انضمَّ إليه من الجنود الشاميين وغيرهم، وترك نائبًا عنه في مصر هو الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، وأمر الأمير "بيبرس البندقداري" أن يتقدَّم بطليعة من الجنود؛ ليكشف أخبار المغول، فسار حتى لقِيَ طلائع لهم في "غزة"، فاشتبك معهم، وألحق بهم هزيمةً كان لها أثرٌ في نفوس جنوده، وأزالتِ الهيبةَ من نفوسِهم، ثم تقدَّم السلطان "قطز" بجيوشه إلى "غزَّة"، فأقام بها يومًا واحدًا، ثم رحل عن طريق الساحل إلى "عكَّا"، وكانت لا تزال تحت سيطرة الصليبيين، فعرضوا عليه مساعدتهم، لكنه رفض، واكتفى منهم بالوقوف على الحياد، وإلاَّ قاتلهم قبل أن يقابل المغول، ثم وافى "قطز" الأمير "بيبرس" عند "عين جالوت" بين "بيسان"، و"نابلس".

وكان الجيش المغولي يقوده "كيتوبوقا" (كتبغا) بعد أن غادر "هولاكو" الشام إلى بلاده للاشتراك في اختيار خاقان جديد للمُغُول، وجمع القائد الجديد قواته التي كانت قد تفرَّقت ببلاد الشام في جيش موحد، وعسكر بهم في عين جالوت.

اللقاء الحاسم:
وما كاد يشرق صباح يوم الجمعة (25 من رمضان 658هـ = 3 من سبتمبر 1260م) حتى اشتبك الفريقان، وانقضَّتْ قوات المغول كالموج الهائل على طلائع الجيوش المصرية؛ حتى تحقق نصرٌ خاطفٌ، وتمكَّنت بالفعل من تشتيت ميسرة الجيش، غيرَ أن السلطان "قطز" ثبت كالجبال، وصرخ بأعلى صوته: "واإسلاماه!"، فعمَّت صرخته أرجاءَ المكان، وتوافدتْ حوله قواتُه، وانقضوا على الجيش المغولي الذي فوجئ بهذا الثبات والصبر في القتال، وهو الذي اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه، وارتد مذعورًا لا يكاد يصدق ما يجري في ميدان القتال، وفرُّوا هاربين إلى التلال المجاورة بعد أن رأوا قائدهم "كيتوبوقا" يسقط صريعًا في أرض المعركة.




ولم يكتفِ المسلمون بهذا النصر، بل تتبَّعوا الفلول الهاربة من جيش المغول التي تجمعت في "بيسان" القريبة من "عين جالوت"، واشتبكوا معها في لقاء حاسم، واشتدت وطأة القتال، وتأرجح النصر، وعاد السلطان "قطز" يصيح صيحة عظيمة سمعها معظم جيشه وهو يقول: "واإسلاماه!" ثلاث مرات ويتضرع إلى الله قائلاً: "يا الله!! انصر عبدك قطز"، وما هي إلا ساعة حتى مالت كفة النصر إلى المسلمين، وانتهى الأمر بهزيمة مدوية للمغول لأول مرة منذ "جنكيز خان"، ثم نزل السلطان عن جواده، ومرَّغ وجهه على أرض المعركة وقبَّلها، وصلَّى ركعتين شكرًا لله4].


5- فتح القسطنطينية على يد "محمد الفاتح"


إن القسطنطينية التي بشَّر الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم – بفتحها: ((لتفتحُنَّ القسطنطينية، فلنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولنِعْمَ الجيشُ ذلك الجيش))؛ روه الإمام أحمد في مسنده، من ذا الذي فتحها غير السلطان "محمد الفاتح" - رحمه الله - الذي وضع خُطَّة غاية في دهاء التدبير، وروعة في الإعداد العسكري ودقة التنفيذ؟! يوم حمل السفن برًّا على جذوع الشجر، ثم دحرجها وأنزلها إلى البحر خلف البيزنطيين من حيث لا يتوقعون، مما أدى إلى دحر أسطولهم وهزيمتهم، وفتح القسطنطينية التي أصبحت فيما بعد عاصمة الخلافة، وحملت اسم "إسلامبول" أو "إستانبول"؛ أي: مدينة السلام ([5]).

كيف تم فتح القسطنطينية؟
أراد محمد الفاتح منذ تولِّيه الحكم حسم مشكلة القسطنطينية، فقد كانت وكرًا للمؤامرات على الدولة العثمانية، واستعد السلطان سياسيًّا وعسكريًّا لذلك، ثم حشد "الفاتح" أكثر من ربع مليون جندي أحدقوا بالقسطنطينية من البَرِّ، واستمر حصار المدينة ثلاثة وخمسين يومًا، تم خلالها بناء منشآت عسكرية ضخمة، واستقدام خيرة الخبراء العسكريين، ومِن بينهم الصانع المجري الشهير "أوربان"، والذي استطاع صنع مدافع عظيمة تقذف كرات هائلة من الحجارة والنار على أسوار القسطنطينية، وقد بذل البيزنطيون قصارى جهدهم في الدفاع عن المدينة، واستُشهِِد عددٌ كبير من العثمانيين في عمليات التمهيد للفتح، وكان من بين العقبات الرئيسة أمام الجيش العثماني تلك السلسلة الضخمة التي وضعها البيزنطيون؛ ليتحكموا بها في مدخل القرن الذهبي، والتي لا يمكن بحال فتح المدينة إلا بتخطّيها، وقد حاول العثمانيون تخطي هذه السلسلة دون جدوى، ووفق الله "الفاتحَ" لفكرة رائعة، تدل على عبقرية حربية فذَّة؛ حيث استطاع نقل سبعين سفينة بعد أن مُهِّدت الأرض وسوُيت في ساعات قليلة، وتم دهن الألواح الخشبية ووضعها على الطريق؛ تمهيدًا لجرِّ السفن عليها مسافة ثلاثة أميال، وقد تمَّ كل هذا في ليلة واحدة، وبعيدًا عن أنظار العدو، وكانت فكرةً مبتكرةً وناجحةً بكل المقاييس، ثم بعد الهجوم الكاسح على المدينة واستسلامها بعد مقتل الإمبراطور، كان التسامح التام مع أهل المدينة؛ حيث كانت لهم الحرية التامة في ممارسة شعائرهم الدينية، واختيار رؤسائهم الدينيين، ومما يدل على ذلك أن السلطان محمد الفاتح استقبل "بطريرك المدينة"، وتناول معه الطعام، وتحدَّثا في أمور شتى: دينية وسياسية واجتماعية، مما أعطى هذا البطريرك انطباعًا مختلفًا عمَّا كان عليه قبل لقائه السلطان الفاتح.

لقد كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبةً كبيرةً في وجه انتشار الإسلام في أوروبا؛ ولذلك فإن سقوطها يعني فتح أوروبا لدخول الإسلام بقوة وسلام أكثر من ذي قبل، ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمية، وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام، حتى عدَّهُ المؤرخون الأوروبيون ومَن تابعهم نهايةَ العصور الوسطى وبدايةَ العصور الحديثة([6]).



والمعارك والغزوات التي كُلِّلت بالانتصار في هذا الشهر المبارك كثيرة، لكن اقتصرت على أشهرها، أو كما يقال: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق؛ أي: يكفي فخرًا للمسلمين أن يستحضروا هذه المشاهد الخالدة في التاريخ الإسلامي؛ ليأخذوا منها الدروس والعبر.

وختامًا:
إن المجاهدين المخلصين  في كل زمان ومكان قادرون - بتوفيق من الله - على صنع النصر من رماد الهزيمة، وبناء المصر والحضارة الراقية في خرائب العدوان، وزرع حدائق العلم والنور في ظلمات الجهل، إذا وجدوا مَن يُحسن قيادتهم، ويضرب لهم المثل والقدوة، ويتميز بالتضحية والشجاعة والإخلاص لله - تعالى - ويُغلّب همَّ إعلاء كلمة هذا الدين على مصالحه الشخصية البالية الفانية، لكن إذا هانوا واستكانوا كانوا قصعة مستباحة لكل الأدعياء قبل الأعداء، واللهَ نسأل أن يردَّ هذه الأمة إلى دينها ردًّا جميلاً، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.





[1] "إعادة كتابة صدر التأريخ الإسلامي" د. أكرم ضياء العمري
[2] "سيرة ابن هشام"، القسم الأول، ص 320، الطبعة الثانية، مطبعة الحلبي، 1375هـ - 1955م.
[3]- وُلد صلاح الدين - رحمه الله تعالى - في قلعة "تكريت" عام [532هـ]، واسمه: يوسف بن أيوب بن شاذي، وهو كُردي لا عربي، ولقبه: صلاح الدين، انتقلت أسرته إلى المُوصِل، ثم رافق والدَه الذي عُيِّن حاكمًا على بعلَبَك؛ ودرس صلاح الدين - رحمه الله - فيها أنواعًا من العلوم، وتعلَّم الصيد والفروسية، ثم لحِق بعمِّه: أسد الدين شيركوه في "حلب"، وأبدى صلاح الدين في دمشق مهارةً وقدرةً كبيرة، ثم رجع إلى حلب واهتمَّ به نور الدين لملامح الفطنة التي رآها عليه، ثم إن عمَّه أسد الدين شيركوه قد اصطحبه معه إلى مصر بأوامر من نور الدين - رحمه الله - وكان نور الدين يسعى إلى تحقيق الوحدة الإسلامية بين الشام ومصر لجعل الصليبيين بين شقي الرحا، وكان من أهداف نور الدين - رحمه الله - أن يُوحِّد بلاد المسلمين لحرب النصارى، وهو يعلم علمًا تامًّا أنه لا يمكن أن يحارِبَ المسلمون النصارى وهم متفرقون، وفي هذا درس عظيم لكل مَن يرى أن نبدأ بالأعداء الخارجيين قبل الأعداء الداخليين.
[4] - أحمد تمام : عين جالوت.. واإسلاماه!! (في ذكرى نشوبها: 25 من رمضان 658هـ) موقع إسلام أون لاين
[5]- "تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء"، يوسف العظم، ص174 – 177، بتصرف يسير.
[6]- الدكتور راغب السرجاني: "قصة الخلافة العثمانية"  (699 – 1342هـ = 1300 – 1924م).
الأحد، 6 يوليو، 2014
حكم استشاق الصائم البخار المتصاعد من الطعام

حكم استشاق الصائم البخار المتصاعد من الطعام


هل البخار المتصاعد من الزيت المستخدم في طهي الطعام يعد مفطراً للصائم قياساً على بخور العود لمن استنشقه؟

الإجابــة

خلاصة الفتوى:
بخار القدر يعتبر مفطراً إذا وصل إلى الحلق واستنشق اختياراً سواء في ذلك من يتولى صناعة الطعام وغيره، وإن لم يصل إلى الحلق أو وصل بغير اختيار لم يفسد الصيام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإذا وصل بخار القدر إلى الحلق أفسد الصيام سواء في ذلك من يتولى الطبخ وغيره، لكن بشرط أن يستنشق اختيارا، فإن استنشق بغير اختيار لم يفطر، قال الشيخ أحمد الدردير في الشرح الكبير على مختصر خليل في الفقه المالكي بعد أن ذكر أن استنشاق البخور مفطر: ومثله بخار القدر فمتى وصل للحلق أوجب القضاء.
قال الدسوقي في حاشيته معلقاً هنا: واعلم أن محل وجوب القضاء بوصول البخور وبخار القدر للحلق إذا وصل باستنشاق سواء كان المستنشق صانعه أو غيره، وأما لو وصل واحد منهما للحلق بغير اختياره فلا قضاء لا على الصانع ولا على غيره على المعتمد. انتهى.
والله أعلم.
شرح حديث ::: من صام رمضان ايمان واحتسابا ::: باب صوم رمضان

شرح حديث ::: من صام رمضان ايمان واحتسابا ::: باب صوم رمضان

*2*كِتَاب الصَّوْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم - كتاب الصوم‏)‏ كذا للأكثر‏.‏
وفي رواية النسفي ‏"‏ كتاب الصيام ‏"‏ وثبتت البسملة للجميع، والصوم والصيام في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة‏.‏
وقال صاحب ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، يقال صام صوما وصياما ورجل صائم وصوم‏.‏
وقال الراغب‏:‏ الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير صائم، وفي الشرع إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب‏.‏
*3*باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب وجوب صوم رمضان‏)‏ كذا للأكثر، وللنسفي ‏"‏ باب وجوب رمضان وفضله ‏"‏ وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه ‏"‏ حظائر القدس ‏"‏ لرمضان ستين اسما، وذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوما، وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وقول الله تعالى ‏(‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام‏)‏ الآية‏)‏ أشار بذلك إلى مبدأ فرض الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه فيه شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث‏:‏ حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان‏.‏
وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن الأمر بصيام عاشوراء‏.‏
وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان وهو ظاهر الآية، لأنه تعالى قال ‏(‏كتب عليكم الصيام‏)‏ ثم بينه فقال ‏(‏شهر رمضان‏)‏ وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا‏؟‏ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ‏.‏
فمن أدلة الشافعية حديث معاوية مرفوعا ‏"‏ لم يكتب الله عليكم صيامه ‏"‏ وسيأتي في أواخر الصيام‏.‏
ومن أدلة الحنفية ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب بلفظ الأمر، وحديث الربيع بنت معوذ الآتي وهو أيضا عند مسلم ‏"‏ من أصبح صائما فليتم صومه‏.‏
قالت‏:‏ فلم نزل نصومه ونصوم صبياننا وهم صغار ‏"‏ الحديث‏.‏
وحديث مسلمة مرفوعا ‏"‏ من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم ‏"‏ الحديث‏.‏
وبنوا على هذا الخلاف هل يشترط في صحة الصوم الواجب نية من الليل أو لا‏؟‏ وسيأتي البحث فيه بعد عشرين بابا‏.‏
وقد تقدم الكلام على حديث طلحة في كتاب الإيمان، وقوله فيه ‏"‏ عن أبيه ‏"‏ هو مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس الإمام، وقوله ‏"‏عن طلحة ‏"‏ قال الدمياطي‏:‏ في سماعه من طلحة نظر، وتعقب بأنه ثبت سماعه من عمر فكيف يكون في سماعه من طلحة نظر‏؟‏ وقد تقدم في كتاب الإيمان في هذا الحديث ما يدل على أنه سمع منهما جميعا، وسيأتي الكلام على حديثي ابن عمر وعائشة في أواخر الصيام إن شاء الله تعالى‏.‏
*3*باب فَضْلِ الصَّوْمِ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب فضل الصوم‏)‏ ذكر فيه حديث أبي هريرة من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، وهو يشتمل على حديثين أفردهما مالك في الموطأ، فمن أوله إلى قوله ‏"‏ الصيام جنة ‏"‏ حديث ومن ثم إلى آخره حديث، وجمعهما عنه هكذا القعنبي، وعنه رواه البخاري هنا‏.‏
ووقع عن غير القعنبي من رواة الموطأ زيادة في آخر الثاني وهي بعد قوله ‏"‏ وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها ‏"‏ زادوا ‏"‏ إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ‏"‏ وقد أخرج البخاري هذا الحديث بعد أبواب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة وبين في أوله أنه من قول الله عز وجل كما سأبينه‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏الصيام جنة‏)‏ زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد ‏"‏ جنة من النار ‏"‏ وللنسائي من حديث عائشة مثله، وله من حديث عثمان بن أبي العاص ‏"‏ الصيام جنة كجنة أحدكم من القتال ‏"‏ ولأحمد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة ‏"‏ جنة وحصن حصين من النار ‏"‏ وله من حديث أبي عبيدة ابن الجراح ‏"‏ الصيام جنة ما لم يخرقها ‏"‏ زاد الدارمي ‏"‏ بالغيبة ‏"‏ وبذلك ترجم له هو وأبو داود، والجنة بضم الجيم الوقاية والستر‏.‏
وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر‏.‏
وأما صاحب ‏"‏ النهاية ‏"‏ فقال‏:‏ معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات‏.‏
وقال القرطبي‏:‏ جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله ‏"‏ فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث الخ‏"‏، ويصح أن يراد أنه ستره بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله ‏"‏ يدع شهوته الخ‏"‏، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات‏.‏
وقال عياض في ‏"‏ الإكمال ‏"‏‏:‏ معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي‏.‏
وقال ابن العربي‏:‏ إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات‏.‏
فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترا له من النار في الآخرة‏.‏
وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وقد حكى عن عائشة، وبه قال الأوزاعي‏:‏ إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم‏.‏
وأفرط ابن حزم فقال‏.‏
يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كانت فعلا أو قولا، لعموم قوله ‏"‏ فلا يرفث ولا يجهل ‏"‏ ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب ‏"‏ من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏"‏، والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع، وأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال‏:‏ حسبك بكون الصيام جنة من النار فضلا‏.‏
وروى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة قال ‏"‏ قلت يا رسول الله مرني آخذه عنك، قال‏:‏ عليك بالصوم فإنه لا مثل له ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ لا عدل له ‏"‏ والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فلا يرفث‏)‏ أي الصائم، كذا وقع مختصرا، وفي الموطأ ‏"‏ الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث الخ ‏"‏ ويرفث بالضم والكسر ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفض هنا وهو بفتح الراء والفاء ثم المثلثة الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا وعلى الجماع وعلى مقدماته وعلى ذكره مع النساء أو مطلقا، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منها‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏ولا يجهل‏)‏ أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك‏.‏
ولسعيد ابن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه ‏"‏ فلا يرفث ولا يجادل ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وإن امرؤ‏)‏ بتخفيف النون ‏(‏قاتله أو شاتمه‏)‏ ‏.‏
وفي رواية صالح ‏"‏ فإن سابه أحد أو قاتله ‏"‏ ولأبى قرة من طريق سهيل عن أبيه ‏"‏ وإن شتمه إنسان فلا يكلمه ‏"‏ ونحوه في رواية هشام عن أبي هريرة عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل ‏"‏ فإن سابه أحد أو ماراه ‏"‏ أي جادله؛ ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة ‏"‏ فإن سابك أحد فقل إني صائم وإن كنت قائما فاجلس ‏"‏ ولأحمد والترمذي من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة ‏"‏ فإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم ‏"‏ وللنسائي من حديث عائشة ‏"‏ وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه ‏"‏ واتفق الروايات كلها على أنه يقول ‏"‏ إني صائم ‏"‏ فمنهم من ذكرها مرتين ومنهم من اقتصر على واحدة‏.‏
وقد استشكل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله ‏"‏ قاتله ‏"‏ شاتمه لأن القتل يطلق على اللعن واللعن من جملة السب - ويؤيده ما ذكرت من الألفاظ المختلفة فإن حاصلها يرجع إلى الشتم - فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله ‏"‏ إني صائم ‏"‏ واختلف في المراد بقوله ‏"‏ فليقل إني صائم ‏"‏ هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك أو يقولها في نفسه‏؟‏ وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في ‏"‏ الأذكار ‏"‏ وقال في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنا، ولهذا التردد أتي البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب بالاستفهام فقال ‏"‏ باب هل يقول إني صائم إذا شتم‏؟‏ ‏"‏ وقال الروياني‏:‏ إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه‏.‏
وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع‏.‏
وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعا، وأما تكرير قوله ‏"‏ إني صائم ‏"‏ فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك‏.‏
ونقل الزركشي أن المراد بقوله ‏"‏ فليقل إني صائم مرتين ‏"‏ يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه وبقوله بلسانه كف خصمه عنه‏.‏
وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز، وقوله ‏"‏قاتله ‏"‏ يمكن حمله على ظاهره ويمكن أن يراد بالقتل لعن يرجع إلى معنى الشتم، ولا يمكن حمل قاتله وشاتمه على المفاعلة لأن الصائم مأمور بأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك منه‏؟‏ وإنما المعنى إذا جاءه متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته كأن يبدأه بقتل أو شتم اقتضت العادة أن يكافئه عليه‏.‏
فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم، وقد تطلق المفاعلة على التهيؤ لها ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد كما يقال لواحد عالج الأمر وعافاه الله، وأبعد من حمله على ظاهره فقال المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ذلك ويقول إني صائم‏.‏
ومما يبعده قوله في الرواية الماضية ‏"‏ فإن شتمه شتمه ‏"‏ والله أعلم‏.‏
وفائدة قوله ‏"‏ إني صائم ‏"‏ أنه يمكن أن يكف عنه بذلك، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله ‏"‏ قاتله ‏"‏ شاتمه فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله إني صائم‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده‏)‏ أقسم على ذلك تأكيدا‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏لخلوف‏)‏ بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء‏.‏
قال عياض‏:‏ هذه الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء، قال الخطابي‏:‏ وهو خطأ، وحكى القابسي الوجهين، وبالغ النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ فقال لا يجوز فتح الخاء، واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول - بفتح أوله - قليلة ذكرها سيبويه وغيره وليس هذا منها، واتفقوا على أن المراد به تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فم الصائم‏)‏ فيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلا في ضرورة الشعر لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏أطيب عند الله من ريح المسك‏)‏ اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح، إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه - على أوجه‏.‏
قال المازري‏:‏ هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقيل المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم، وهو قريب من الأول‏.‏
وقيل المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه تفوح مسكا‏.‏
وقيل المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض‏.‏
وقال الداودي وجماعة‏:‏ المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر، ورجح النووي هذا الأخير، وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا، فحصلنا على ستة أوجه‏.‏
وقد نقل القاضي حسين في تعليقه أن للطاعات يوم القيامة ريحا تفوح‏.‏
قال فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك، ويؤيد الثلاثة الأخيرة قوله في رواية مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح ‏"‏ أطيب عند الله يوم القيامة ‏"‏ وأخرج أحمد هذه الزيادة من حديث بشير بن الخصاصية، وقد ترجم ابن حبان بذلك في صحيحه ثم قال ‏"‏ ذكر البيان بأن ذلك قد يكون في الدنيا ‏"‏ ثم أخرج الرواية التي فيها ‏"‏ فم الصائم حين يخلف من الطعام ‏"‏ وهي عنده وعند أحمد من طريق الأعمش عن أبي صالح، ويمكن أن يحمل قوله ‏"‏ حين يخلف ‏"‏ على أنه ظرف لوجود الخلوف المشهود له بالطيب فيكون سببا للطيب في الحال الثاني فيوافق الرواية الأولى وهي قوله ‏"‏ يوم القيامة ‏"‏ لكن يؤيد ظاهره وأن المراد به في الدنيا ما روى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي في الشعب من حديث جابر في أثناء حديث مرفوع في فضل هذه الأمة في رمضان، وأما الثانية ‏"‏ فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ‏"‏ قال المنذري إسناده مقارب، وهذه المسألة إحدى المسائل التي تنازع فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فذهب ابن عبد السلام إلى أن ذلك في الآخرة كما في دم الشهيد واستدل بالرواية التي فيها ‏"‏ يوم القيامة ‏"‏ وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا واستدل بما تقدم وأن جمهور العلماء ذهبوا إلى ذلك، فقال الخطابي‏:‏ طيبه عند الله رضاه به وثناؤه عليه‏.‏
وقال ابن عبد البر‏:‏ أزكى عند الله وأقرب إليه‏.‏
وقال البغوي‏:‏ معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله، وبنحو ذلك قال القدوري من الحنفية والداودي وابن العربي من المالكية وأبو عثمان الصابوني وأبو بكر بن السمعاني وغيرهم من الشافعية، جزموا كلهم بأنه عبارة عن الرضا والقبول، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها، فقيده بيوم القيامة في رواية وأطلق في باقي الروايات نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، وهو كقوله‏:‏ ‏(‏إن ربهم بهم يومئذ لخبير‏)‏ وهو خبير بهم في كل يوم، انتهى‏.‏
ويترتب على هذا الخلاف المشهور في كراهة إزالة هذا الخلوف بالسواك، وسيأتي البحث فيه بعد بضعة وعشرين بابا حيث ترجم له المصنف إن شاء الله تعالى، ويؤخذ من قوله ‏"‏ أطيب من ريح المسك ‏"‏ أن الخلوف أعظم من دم الشهادة لأن دم الشهيد شبه ريحه بريح المسك، والخلوف وصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى، ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما فإن أصل الخلوف طاهر وأصل الدم بخلافه فكان ما أصله طاهر أطيب ريحا‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي‏)‏ هكذا وقع هنا، ووقع في الموطأ ‏"‏ وإنما يذر شهوته الخ ‏"‏ ولم يصرح بنسبته إلى الله للعلم به وعدم الإشكال فيه‏.‏
وقد روى أحمد هذا الحديث عن إسحاق ابن الطباع عن مالك فقال بعد قوله من ريح المسك ‏"‏ يقول الله عز وجل‏:‏ إنما يذر شهوته الخ ‏"‏ كذلك رواه سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد فقال في أول الحديث ‏"‏ يقول الله عز وجل‏:‏ كل عمل ابن آدم هو له، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي ‏"‏ الحديث‏.‏
وسيأتي قريبا من طريق عطاء عن أبي صالح بلفظ ‏"‏ قال الله عز وجل‏:‏ كل عمل ابن آدم له ‏"‏ الحديث‏.‏
ويأتي في التوحيد من طريق الأعمش عن أبي صالح بلفظ ‏"‏ يقول الله عز وجل‏:‏ الصوم لي وأنا أجزي به ‏"‏ الحديث‏.‏
وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله ‏"‏ إنما يذر الخ ‏"‏ التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاص به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجودا وعدما، ولا شك أن من لم يعرض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه، والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص‏.‏
ووقع في رواية الموطأ بتقديم الشهوة عليها فيكون من الخاص بعد العام، ومثله حديث أبي صالح في التوحيد، وكذا جمهور الرواة عن أبي هريرة‏.‏
وفي رواية ابن خزيمة من طريق سهيل عن أبي صالح عن أبيه ‏"‏ يدع الطعام والشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي ‏"‏ وفي رواية أبي قرة من هذا الوجه ‏"‏ يذع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي ‏"‏ وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه في فوائده من طريق المسيب بن رافع عن أبي صالح ‏"‏ يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع من أجلي‏"‏‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏الصيام لي وأنا أجزي به‏)‏ كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها، وفي الموطأ ‏"‏ فالصيام ‏"‏ بزيادة الفاء وهي للسببية أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي‏.‏
ووقع في رواية مغيرة عن أبي الزناد عند سعيد بن منصور ‏"‏ كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ‏"‏ ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح الآتية، وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى ‏"‏ الصيام لي وأنا أجزي به ‏"‏ مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال‏:‏ أحدها أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه‏:‏ قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب‏.‏
ويؤيدها هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ليس في الصيام رياء ‏"‏ حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلا قال‏:‏ وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وهذا وجه الحديث عندي، انتهى‏.‏
وقد روى الحديث المذكور البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ من طريق عقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه ‏"‏ الصيام لا رياء فيه‏.‏
قال الله عز وجل‏:‏ هو لي وأنا أجزي به ‏"‏ وهذا لو صح لكان قاطعا للنزاع‏.‏
وقال القرطبي‏:‏ لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث ‏"‏ يدع شهوته من أجلي ‏"‏ وقال ابن الجوزي‏:‏ جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم‏.‏
وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقربا يعني في الصورة الظاهرة‏.‏
قلت‏:‏ معنى النفي في قوله ‏"‏ لا رياء في الصوم ‏"‏ أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها‏.‏
وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم فقال‏:‏ إن الذكر بلا إله إلا الله يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون منه بذلك‏.‏
ثانيها أن المراد بقوله ‏"‏ وأنا أجزي به ‏"‏ أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته‏.‏
وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس‏.‏
قال القرطبي‏:‏ معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير‏.‏
ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال ‏"‏ كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ‏"‏ أي أجازي عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى ‏(‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب‏)‏ انتهى‏.‏
والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال‏.‏
قلت‏:‏ وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال‏:‏ بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال الله تعالى ‏(‏إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب‏)‏ انتهى‏.‏
ويشهد رواية المسيب بن رافع عن أبي صالح عند سمويه ‏"‏ إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لا يدري أحد ما فيه ‏"‏ ويشهد له أيضا ما رواه ابن وهب في جامعه عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده زيد مرسلا، ووصله الطبراني والبيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ من طريق أخرى عن عمر بن محمد عن عبد الله بن مينار عن ابن عمر مرفوعا ‏"‏ الأعمال عند الله سبع ‏"‏ الحديث، وفيه ‏"‏ وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله ‏"‏ ثم قال‏:‏ وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلى الله فالصيام، ثم قال القرطبي‏:‏ هذا القول ظاهر الحسن، قال‏:‏ غير أنه تقدم ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نص في إظهار التضعيف، فبعد هذا الجواب بل بطل‏.‏
قلت‏:‏ لا يلزم من الذي ذكر بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله تعالى‏.‏
ويؤيده أيضا العرف المستفاد من قوله ‏"‏ أنا أجزي به ‏"‏ لأن الكريم إذا قال‏:‏ أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه‏.‏
ثالثها معنى قوله ‏"‏ الصوم لي ‏"‏ أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي، وقد تقدم قول ابن عبد البر‏:‏ كفى بقوله ‏"‏ الصوم لي ‏"‏ فضلا للصيام على سائر العبادات‏.‏
وروى النسائي وغيره من حديث أبي أمامة مرفوعا ‏"‏ عليك بالصوم فإنه لا مثل له ‏"‏ لكن يعكر على هذا الحديث الصحيح ‏"‏ واعلموا أن خبر أعمالكم الصلاة‏"‏‏.‏
رابعها‏:‏ الإضافة إضافة تشريف وتعظيم كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله‏.‏
قال الزين بن المنير‏:‏ التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف‏.‏
خامسها‏:‏ أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب جل جلاله، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه‏.‏
وقال القرطبي‏:‏ معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي‏.‏
سادسها‏:‏ أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة لأن ذلك من صفاتهم‏.‏
سابعها‏:‏ أنه خالص لله وليس للعبد فيه حظ، قاله الخطابي، هكذا نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وقد أفصح بذلك ابن الجوزي فقال‏:‏ المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظ بخلاف غيره فإن له فيه حظا لثناء الناس عليه لعبادته‏.‏
ثامنها‏:‏ سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك‏.‏
واعترض على هذا بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات، فإنهم يتعبدون لها بالصيام‏.‏
وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهية الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعالة بأنفسها، وهذا الجواب عندي ليس بطائل، لأنهم طائفتان، إحداهما كانت تعتقد إلهية الكواكب وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمر منهم من استمر على كفره‏.‏
والأخرى من دخل منهم في الإسلام واستمر على تعظيم الكواكب وهم الذين أشير إليهم‏.‏
تاسعها‏:‏ أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي عن أبيه عن ابن عيينة قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة‏.‏
قال القرطبي‏:‏ قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكرت في حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال ‏"‏ المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار ‏"‏ فظاهره أن الصيام مشترك مع بقية الأعمال في ذلك‏.‏
قلت‏:‏ إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به ‏"‏ وكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن محمد بن زياد ولفظه ‏"‏ قال ربكم تبارك وتعالى‏:‏ كل العمل كفارة إلا الصوم ‏"‏ ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى عن شعبة بلفظ ‏"‏ كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم ‏"‏ وقد أخرجه المصنف في التوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ يرويه ‏"‏ عن ربكم قال‏:‏ لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به ‏"‏ فحذف الاستثناء، وكذا رواه أحمد عن غندر عن شعبة لكن قال ‏"‏ كل العمل كفارة ‏"‏ وهذا يخالف رواية آدم لأن معناها إن لكل عمل من المعاصي كفارة من الطاعات، ومعنى رواية غندر كل عمل من الطاعات كفارة للمعاصي، وقد بين الإسماعيلي الاختلاف فيه في ذلك على شعبة، وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء فاختلف فيه أيضا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند فإنه يعارضه حديث حذيفة ‏"‏ فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة ‏"‏ ولعل هذا هو السر في تعقيب البخاري لحديث الباب بباب الصوم كفارة وأورد فيه حديث حذيفة، وسأذكر وجه الجمع بينهما في الكلام على الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى‏.‏
عاشرها‏:‏ أن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واه جدا أورده ابن العربي في ‏"‏ المسلسلات ‏"‏ ولفظه ‏"‏ قال الله الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحب لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ‏"‏ ويكفي في رد هذا القول الحديث الصحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها وإن لم يعملها‏.‏
فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلغها إلى أكثر من هذا وهو الطالقاني في ‏"‏ حظائر القدس ‏"‏ له ولم أقف عليه، واتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلا‏.‏
ونقل ابن العربي عن بعض الزهاد أنه مخصوص بصيام خواص الخواص فقال‏:‏ إن الصوم على أربعة أنواع‏:‏ صيام العوام وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع، وصيام خواص الخواص وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول أو فعل، وصيام الخواص وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته، وصيام خواص الخواص وهو الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة‏.‏
وهذا مقال عال لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يخفى‏.‏
وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني ويقرب منهما الثامن والتاسع‏.‏
وقال البيضاوي في الكلام على رواية الأعمش عن أبي صالح التي بينتها قبل‏:‏ لما أراد بالعمل الحسنات وضع الحسنة في الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ، وقوله ‏"‏إلا الصيام ‏"‏ مستثنى من كلام غير محكي دل عليه ما قبله، والمعنى أن الحسنات يضاعف جزاؤها من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فلا يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره ولا يحصيه إلا الله تعالى، ولذلك يتولى الله جزاءه بنفسه ولا يكله إلى غيره‏.‏
قال‏:‏ والسبب في اختصاص الصوم بهذه المزية أمران، أحدهما‏:‏ أن سائر العبادات مما يطلع العباد عليه، والصوم سر بين العبد وبين الله تعالى يفعله خالصا ويعامله به طالبا لرضاه، وإلى ذلك الإشارة بقوله ‏"‏ فإنه لي‏"‏‏.‏
والآخر‏:‏ أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال أو استعمال للبدن، والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات، وإلى ذلك أشار بقوله ‏"‏ يدع شهوته من أجلي‏"‏‏.‏
قال الطيبي‏:‏ وبيان هذا أن قوله ‏"‏ يدع شهوته الخ ‏"‏ جملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور، وأما قول البيضاوي‏:‏ إن الاستثناء من كلام غير محكي، ففيه نظر، فقد يقال‏:‏ هو مستثنى من كل عمل وهو مروي عن الله لقوله في أثناء الحديث ‏"‏ قال الله تعالى ‏"‏ ولما لم يذكره في صدر الكلام أورده في أثنائه بيانا، وفائدته تفخيم شأن الكلام وأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏والحسنة بعشر أمثالها‏)‏ كذا وقع مختصرا عند البخاري، وقد قدمت البيان بأنه وقع في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ تاما، وقد رواه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من طريق القعنبي شيخ البخاري فيه فقال بعد قوله وأنا أجزي به ‏"‏ كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ‏"‏ فأعاد قوله ‏"‏ وأنا أجزي به ‏"‏ في آخر الكلام تأكيدا، وفيه إشارة إلى الوجه الثاني‏.‏
ووقع في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث ‏"‏ للصائم فرحتان يفرحهما ‏"‏ الحديث‏.‏
وسيأتي الكلام عليه بعد ستة أبواب إن شاء الله تعالى‏.‏
*3*باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب الصوم كفارة‏)‏ كذا لأبي ذر والجمهور بتنوين باب، أي الصوم يقع كفارة للذنوب، ورأيته هنا بخط القطب في شرحه ‏"‏ باب كفارة الصوم ‏"‏ أي باب تكفير الصوم للذنوب، وقد تقدم في أثناء الصلاة ‏"‏ باب الصلاة كفارة ‏"‏ وللمستملي ‏"‏ باب تكفير الصلاة ‏"‏ وأورد فيه حديث الباب بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، وقد تقدم طرف من الكلام على الحديث ويأتي شرحه مستوفى في علامات النبوة إن شاء الله تعالى، وفيه ما ترجم له لكن أطلق في الترجمة والخبر مقيد بفتنة المال وما ذكر معه، فقد يقال لا يعارض الحديث السابق في الباب قبله وهو كون الأعمال كفارة إلا الصوم لأنه يحمل في الإثبات على كفارة شيء مخصوص وفي النفي على كفارة شيء آخر، وقد حمله المصنف في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة فقال في الزكاة ‏"‏ باب الصدقة تكفر الخطيئة ‏"‏ ثم أورد هذا الحديث بعينه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة أيضا مرفوعا ‏"‏ الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ‏"‏ وقد تقدم البحث في الصلاة‏.‏
ولابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا ‏"‏ من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله ‏"‏ ولمسلم من حديث أبي قتادة ‏"‏ إن صيام عرفة يكفر سنتين وصيام عاشوراء يكفر سنة ‏"‏ وعلى هذا فقوله ‏"‏ كل العمل كفارة إلا الصيام ‏"‏ يحتمل أن يكون المراد إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة، ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصا سالما من الرياء والشوائب كما تقدم شرحه، والله أعلم‏.‏
*3*باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ بالتنوين ‏(‏الريان‏)‏ بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري‏:‏ اسم علم على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين، وسيأتي أن من دخله لم يظمأ‏.‏
قال القرطبي‏:‏ اكتفي بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت أو لكونه أشق على الصائم من الجوع‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏حدثني أبو حازم‏)‏ هو ابن دينار، وسهل هو ابن سعد الساعدي‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏أن في الجنة بابا‏)‏ قال الزين بن المنير‏:‏ إنما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم والراحة في الجنة فيكون أبلغ في التشوق إليه‏.‏
قلت‏:‏ وقد جاء الحديث من وجه آخر بلفظ ‏"‏ إن للجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون‏"‏‏.‏
أخرجه هكذا الجوزقي من طريق أبي غسان عن أبي حازم، وهو للبخاري من هذا الوجه في بدء الخلق، لكن قال ‏"‏ في الجنة ثمانية أبواب‏"‏‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد‏)‏ كرر نفي دخول غيرهم منه تأكيدا، وأما قوله ‏"‏ فلم يدخل ‏"‏ فهو معطوف على ‏"‏ أغلق ‏"‏ أي لم يدخل منه غير من دخل‏.‏
ووقع عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد شيخ البخاري فيه ‏"‏ فإذا دخل آخرهم أغلق ‏"‏ هكذا في بعض النسخ من مسلم، وفي الكثير منها ‏"‏ فإذا دخل أولهم أغلق‏"‏‏.‏
قال عياض وغيره‏:‏ هو وهم‏.‏
والصواب آخرهم‏.‏
قلت‏:‏ وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده وأبو نعيم في مستخرجيه معا من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيلي والجوزقي من طرق عن خالد بن مخلد، وكذا أخرجه النسائي وابن خزيمة من طريق سعيد بن عبد الرحمن وغيره وزاد فيه ‏"‏ من دخل شرب ومن شرب لا يظمأ أبدا ‏"‏ وللترمذي من طريق هشام بن سعد عن أبي حازم نحوه وزاد ‏"‏ ومن دخله لم يظمأ أبدا ‏"‏ ونحوه للنسائي والإسماعيلي من طريق عبد العزيز بن حازم عن أبيه لكنه وقفه، وهو مرفوع قطعا لأن مثله لا مجال للرأي فيه‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏عن حميد بن عبد الرحمن‏)‏ في رواية شعيب عن الزهري الآتية في فضل أبي بكر ‏"‏ أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف‏"‏‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي هريرة‏)‏ قال ابن عبد البر‏:‏ اتفق الرواة عن مالك على وصله، إلا يحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبي أصلا‏.‏
قلت‏:‏ هذا أخرجه الدار قطني في ‏"‏ الموطآت ‏"‏ من طريق يحيى بن بكير موصولا فلعله اختلف عليه فيه، وأخرجه أيضا من طريق القعنبي فلعله حدث به خارج الموطأ‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏من أنفق زوجين في سبيل الله‏)‏ زاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب عن مالك ‏"‏ من ماله ‏"‏ واختلف في المراد بقوله ‏"‏ في سبيل الله ‏"‏ فقيل أراد الجهاد، وقيل ما هو أعم منه، والمراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد كما سيأتي إيضاحه‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏هذا خير‏)‏ ليس اسم التفضيل، بل المعنى هذا خير من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم وبه تظهر الفائدة‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان‏)‏ في رواية محمد بن عمرو عن الزهري عند أحمد ‏"‏ لكل أهل عمل باب يدعون منه بذلك العمل، فلأهل الصيام باب يدعون منه يقال له الريان ‏"‏ وهذا صريح في مقصود الترجمة، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى في فضائل أبي بكر إن شاء الله تعالى‏.‏
*3*باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب هل يقال‏)‏ كذا للأكثر على البناء للمجهول، وللسرخسي والمستملي ‏"‏ هل يقول ‏"‏ أي الإنسان‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏ومن رأى كله واسعا‏)‏ أي جائزا بالإضافة وبغير الإضافة، وللكشمهيني ‏"‏ ومن رآه ‏"‏ بزيادة الضمير وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان ‏"‏ أخرجه ابن عدي في الكامل وضعفه بأبي معشر‏.‏
قال البيهقي‏:‏ قد روي عن أبي معشر عن محمد ابن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث‏.‏
انتهى‏.‏
وقد ترجم النسائي لذلك أيضا فقال ‏"‏ باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان ‏"‏ ثم أورد حديث أبي بكرة مرفوعا ‏"‏ لا يقولن أحدكم صمت رمضان ولا قمته كله ‏"‏ وحديث ابن عباس ‏"‏ عمرة في رمضان تعدل حجة ‏"‏ وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال ‏(‏شهر رمضان‏)‏ مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرف الرواة، وكأن هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم، ونقل عن أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم وكثير من الشافعية إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يكره، والجمهور على الجواز‏.‏
واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان فقيل‏:‏ لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق لأن الرمضاء شدة الحر، وقيل وافق ابتداء الصوم فيه زمنا جارا، والله أعلم‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من صام رمضان‏.‏
وقال‏:‏ لا تقدموا رمضان‏)‏ أما الحديث الأول فوصله في الباب الذي يليه وفيه تمامه، وأما الثاني فوصله بعد ذلك من طريق هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ لا يتقدمن أحدكم ‏"‏ وأخرجه مسلم من طريق علي بن المبارك عن يحيى بلفظ ‏"‏ لا تقدموا رمضان‏"‏‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي سهيل‏)‏ هو نافع بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن أبي غيمان - بالغين المعجمة والتحتانية - الأصبحي، عم مالك بن أنس بن مالك، وأبوه تابعي كبير أدرك عمر‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة‏)‏ كذا أخرجه مختصرا، وقد أخرجه مسلم والنسائي من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزهري الثانية، والظاهر أن البخاري جمع المتن بإسنادين وذكر موضع المغايرة وهو ‏"‏ أبواب الجنة ‏"‏ في رواية إسماعيل بن جعفر ‏"‏ وأبواب السماء ‏"‏ في رواية الزهري‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏حدثني ابن أبي أنس‏)‏ هو أبو سهيل نافع بن أبي أنس مالك بن أبي عامر شيخ إسماعيل بن جعفر، وهو من صغار شيوخ الزهري بحيث أدركه تلامذة الزهري وهو أصغر منهم كإسماعيل بن جعفر‏.‏
وهذا الإسناد يعد من رواية الأقران، وقد تأخر أبو سهيل في الوفاة عن الزهري‏.‏
وقد بين النسائي أن مراد الزهري بابن أبي أنس نافع هذا فأخرج من وجه آخر عن عقيل عن ابن شهاب ‏"‏ أخبرني أبو سهيل عن أبيه ‏"‏ وأخرجه من طريق صالح عن ابن شهاب فقال ‏"‏ أخبرني نافع بن أبي أنس ‏"‏ وروى هذا الحديث معمر عن الزهري فأرسله وحذف من بينه وبين أبي هريرة، ورواه ابن إسحاق عن الزهري عن أويس ابن أبي أويس عديل بني تميم عن أنس، قال النسائي وهو خطأ‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏مولى التيميين‏)‏ أي مولى بني تيم، والمراد منهم آل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، وكان أبو عامر والد مالك قد قدم مكة فقطنها وحالف عثمان بن عبيد الله أخا طلحة فنسب إليه، وكان مالك الفقيه يقول‏:‏ لسنا موالي آل تيم، إنما نحن عرب من أصبح، ولكن جدي حالفهم‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وسلسلت الشياطين‏)‏ قال الحليمي‏:‏ يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه، لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر‏.‏
وقال غيره‏:‏ المراد بالشياطين بعضهم وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في صحيحه وأورد ما أخرجه هو والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ‏"‏ وأخرجه النسائي من طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ وتغل فيه مردة الشياطين ‏"‏ زاد أبو صالح في روايته ‏"‏ وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد‏:‏ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ‏"‏ لفظ ابن خزيمة، وقوله ‏"‏صفدت ‏"‏ بالمهملة المضمومة بعدها فاء ثقيلة مكسورة أي شدت بالأصفاد وهي الأغلال وهو بمعنى سلسلت، ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود وقال فيه ‏"‏ فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب الشهر كله‏"‏‏.‏
قال عياض‏:‏ يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين‏.‏
قال‏:‏ ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم ‏"‏ فتحت أبواب الرحمة ‏"‏ قال‏:‏ ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات وذلك أسباب لدخول الجنة، وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات‏.‏
قال الزين بن المنير‏:‏ والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره‏.‏
وأما الرواية التي فيها ‏"‏ أبواب الرحمة وأبواب السماء ‏"‏ فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنة بدليل ما يقابله وهو غلق أبواب النار، واستدل به على أن الجنة في السماء لإقامة هذا مقام هذه في الرواية وفيه نظر، وجزم التوربشتي شارح المصابيح بالاحتمال الأخير وعبارته‏:‏ فتح أبواب السماء كناية عن تنزل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزه أنفس الصوام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات‏.‏
وقال الطيبي‏:‏ فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلف ذلك بأخبار الصادق ما يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحية‏.‏
وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره‏:‏ فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك‏؟‏ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية لأن لذلك أسبابا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية‏.‏
وقال غيره‏:‏ في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَيُونُسُ لِهِلَالِ رَمَضَانَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏إذا رأيتموه‏)‏ أي الهلال وسيأتي التصريح بذلك بعد خمسة أبواب مع الكلام على الحكم، وكذا هو مصرح بذكر الهلال فيه في الرواية المعلقة، وإنما أراد المصنف بإيراده في هذا الباب ثبوت ذكر رمضان بغير لفظ شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة وإنما وقع في الرواية المعلقة‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وقال غيره عن الليث الخ‏)‏ المراد بالغير المذكور أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، كذا أخرجه الإسماعيلي من طريقه قال ‏"‏ حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب ‏"‏ فذكره بلفظ ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا ‏"‏ الحديث‏.‏
ووقع مثله في غير رواية الزهري‏.‏
قال عبد الرزاق ‏"‏ أنبأنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا ‏"‏ الحديث‏.‏
وسيأتي بيان اختلاف ألفاظ هذا الحديث حيث ذكرته إن شاء الله تعالى‏.‏
*3*باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية‏)‏ قال الزين بن المنير‏:‏ حذف الجواب إيجازا واعتمادا على ما في الحديث، وعطف قوله نية على قوله احتسابا لأن الصوم إنما يكون لأجل التقريب إلى الله، والنية شرط في وقوعه قربة‏.‏
قال‏:‏ والأولى أن يكون منصوبا على الحال‏.‏
وقال غيره‏:‏ انتصب على أنه مفعول له أو تمييز أو حال بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل أي مؤمنا محتسبا، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى‏.‏
وقال الخطابي‏:‏ احتسابا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يبعثون على نياتهم‏)‏ هذا طرف من حديث وصله المصنف في أوائل البيوع من طريق نافع بن جبير عنها وأوله ‏"‏ يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم، ثم يبعثون على نياتهم ‏"‏ يعني يوم القيامة ووجه الاستدلال منه هنا أن للنية تأثيرا في العمل لاقتضاء الخبر أن في الجيش المذكور المكره والمختار فإنهم إذا بعثوا على نياتهم وقعت المؤاخذة على المختار دون المكره‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى‏)‏ هو ابن أبي كثير‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي سلمة‏)‏ هو ابن عبد الرحمن، ووقع في رواية معاذ بن هشام عن أبيه عن مسلم ‏"‏ حدثني أبو سلمة ‏"‏ ونحوه في رواية شيبان عن يحيى عند أحمد‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏من قام ليلة القدر‏)‏ يأتي الكلام عليه في الباب المعقود لها في أواخر الصيام‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏ زاد أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ‏"‏ وما تأخر ‏"‏ وقد رواه أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن محمد ابن عمرو بدون هذه الزيادة، ومن طريق يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بدونها أيضا، ووقعت هذه الزيادة أيضا في رواية الزهري عن أبي سلمة أخرجها النسائي عن قتيبة عن سفيان عنه، وتابعه حامد بن يحيى عن سفيان، أخرجه ابن عبد البر في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ واستنكره، وليس بمنكر، فقد تابعه قتيبة كما ترى، وهشام ابن عمار وهو في الجزء الثاني عشر من فوائده، والحسين بن الحسن المروزي أخرجه في كتاب الصيام له، ويوسف بن يعقوب النجاحي أخرجه أبو بكر المقري في فوائده كلهم عن سفيان، والمشهور عن الزهري بدونها‏.‏
وقد وقعت هذه الزيادة أيضا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين وإسناده حسن‏.‏
وقد استوعبت الكلام على طرقه في ‏"‏ كتاب الخصال المكفرة، للذنوب المقدمة والمؤخرة ‏"‏ وهذا محصله‏.‏
وقوله ‏"‏من ذنبه ‏"‏ اسم جنس مضاف فيتناول جميع الذنوب، إلا أنه مخصوص عند الجمهور، وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الوضوء وفي أوائل كتاب المواقيت‏.‏
قال الكرماني‏:‏ وكلمة ‏"‏ من ‏"‏ إما متعلقة بقوله ‏"‏ غفر ‏"‏ أي غفر من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل، أو هي مبنية لما تقدم وهو مفعول لما لم يسم فاعله فيكون مرفوع المحل‏.‏
*3*باب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان‏)‏ أورد فيه حديث ابن عباس ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ‏"‏ وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في بدء الوحي‏.‏
قال الزين بن المنير‏:‏ وجه التشبيه بين أجوديته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي برسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم‏.‏
*3*باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب من لم يدع‏)‏ أي يترك ‏(‏قول الزور والعمل به‏)‏ زاد في نسخة الصغاني ‏"‏ في الصوم‏"‏‏.‏
قال الزبير بن المنير‏:‏ حذف الجواب لأنه لو نص على ما في الخبر لطالت الترجمة، أو لو عبر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سعد المقبري عن أبيه‏)‏ كذا في أكثر الروايات عن ابن أبي ذئب، وقد رواه ابن وهب عن ابن أبي ذئب فاختلف عليه‏:‏ رواه الربيع عنه مثل الجماعة، ورواه ابن السراج عنه فلم يقل ‏"‏ عن أبيه ‏"‏ أخرجها النسائي، وأخرجه الإسماعيلي من طريق حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب بإسقاطه أيضا، واختلف فيه على ابن المبارك فأخرجه ابن حبان من طريقه بالإسقاط، وأخرجه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة بإثباته، وذكر الدار قطني أن يزيد بن هارون ويونس بن يحيى روياه عن ابن أبي ذئب بالإسقاط أيضا، وقد أخرجه أحمد عن يزيد فقال فيه ‏"‏ عن أبيه‏"‏، والذي يظهر أن ابن أبي ذئب كان تارة لا يقول عن أبيه وفي أكثر الأحوال يقولها، وقد رواه أبو قتادة الحراني عن ابن أبي ذئب بإسناد آخر فقال ‏"‏ عن الزهري عن عبد الله ابن ثعلبة عن أبي هريرة ‏"‏ وهو شاذ والمحفوظ الأول‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏قول الزور والعمل به‏)‏ زاد المصنف في الأدب عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب ‏"‏ والجهل ‏"‏ وكذا لأحمد عن حجاج ويزيد بن هارون كلاهما عن ابن أبي ذئب‏.‏
وفي رواية ابن وهب ‏"‏ والجهل في الصوم ‏"‏ ولابن ماجة من طريق ابن المبارك ‏"‏ من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به ‏"‏ جعل الضمير في ‏"‏ به ‏"‏ يعود على الجهل، والأول جعله يعود على قول الزور والمعنى متقارب، ولما روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا قال‏:‏ وفي الباب عن أنس‏.‏
قلت‏:‏ وحديث أنس أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ ‏"‏ من لم يدع الخنا والكذب ‏"‏ ورجاله ثقات، والمراد بقول الزور‏:‏ الكذب، والجهل‏:‏ السفه، والعمل به أي بمقتضاه كما تقدم‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله ‏"‏ من باع الخمر فليشقص الخنازير ‏"‏ أي يذبحها، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر‏.‏
وأما قوله ‏"‏ فليس لله حاجة ‏"‏ فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه فوضع الحاجة موضع الإرادة، وقد سبق أبو عمر بن عبد البر إلى شيء من ذلك‏.‏
قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به‏:‏ لا حاجة لي بكذا، فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور وقبول السالم منه، وقريب من هذا قوله تعالى ‏(‏لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم‏)‏ فإن معناه لن يصيب رضاه الذي ينشأ عنه القبول‏.‏
وقال ابن العربي‏:‏ مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه‏.‏
وقال البيضاوي‏:‏ ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله ‏"‏ ليس لله حاجة ‏"‏ مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم‏.‏
واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم، وتعقب بأنها صغائر تكفر باجتناب الكبائر‏.‏
وأجاب السبكي الكبير بأن في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية للأول، لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقا والصوم مأمور به مطلقا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة فيه معنى يفهمه، فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين‏:‏ أحدهما زيادة قبحها في الصوم على غيرها، والثاني البحث على سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها‏.‏
قال‏:‏ فإذا لم يسلم عنها نقص‏.‏
ثم قال‏:‏ ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده، فيكون اجتناب المفطرات واجبا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات، والله أعلم‏.‏
وقال شيخنا في شرح الترمذي‏:‏ لما أخرج الترمذي هذا الحديث ترجم ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم، وهو مشكل لأن الغيبة ليست قول الزور ولا العمل به، لأنها أن يذكر غيره بما يكره، وقول الزور هو الكذب، وقد وافق الترمذي بقية أصحاب السنن فترجموا بالغيبة وذكروا هذا الحديث، وكأنهم فهموا من ذكر قول الزور والعمل به الأمر بحفظ النطق، ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى الزيادة التي وردت في بعض طرقه وهي الجهل فإنه يصح إطلاقه على جميع المعاصي‏.‏
وأما قوله ‏"‏ والعمل به ‏"‏ فيعود على الزور، ويحتمل أن يعود أيضا على الجهل أي والعمل بكل منهما‏.‏
‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ قوله ‏"‏ فليس لله ‏"‏ وقع عند البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب ‏"‏ فليس به ‏"‏ بموحدة وهاء ضمير، فإن لم يكن تحريفا فالضمير للصائم‏.‏
*3*باب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب هل يقول إني صائم إذا شتم‏)‏ أورد فيه حديث أبي هريرة، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى قبل ستة أبواب‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ
الشرح‏:‏
قوله فيه ‏(‏ولا يصخب‏)‏ كذا للأكثر بالمهملة الساكنة بعدها خاء معجمة، ولبعضهم بالسين بدل الصاد وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، وقد تقدم أن المراد النهي عن ذلك تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهي عن ذلك أيضا‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏لخلوف‏)‏ كذا للأكثر، وللكشميهني ‏"‏ لخلف ‏"‏ بحذف الواو كأنها صيغة جمع، ويروى في غير البخاري بلفظ ‏"‏ لخفة ‏"‏ على الوحدة كتمر وتمرة‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏للصائم فرحتان يفرحهما‏:‏ إذا أفطر فرح‏)‏ زاد مسلم ‏"‏ بفطره‏"‏، وقوله ‏"‏يفرحهما ‏"‏ أصله يفرح بهما فحذف الجار ووصل الضمير كقوله صام رمضان أي فيه‏.‏
قال القرطبي‏:‏ معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه‏.‏
قلت‏:‏ ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحبا وهو من يكون سببه شيء مما ذكره‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وإذا لقي ربه فرح بصومه‏)‏ أي بجزائه وثوابه‏.‏
وقيل الفرح الذي عند لقاء ربه إما لسروره بربه أو بثواب ربه على الاحتمالين‏.‏
قلت‏:‏ والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه‏.‏
*3*باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة‏)‏ بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة، كذا لأبي ذر، ولغيره ‏"‏ العزوبة ‏"‏ بزيادة واو، والمراد بالخوف من العزوبة ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت‏.‏
ثم أورد المصنف فيه حديث ابن مسعود المشهور، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا قوله فيه ‏"‏ ومن لم يستطع ‏"‏ أي لم يجد أهبة النكاح‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏فعليه بالصوم فإنه له وجاء‏)‏ بكسر الواو وبجيم ومد وهو رض الخصيتين، وقيل رض عروقهما، ومن يفعل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح‏.‏
واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم‏.‏
*3*باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا
وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏باب قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا رأيتم الهلال فصوموا‏)‏ هذه الترجمة لفظ مسلم من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة، وقد سبق للمصنف في أول الصيام من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبيه بلفظ ‏"‏ إذا رأيتموه ‏"‏ وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتبها ترتيبا حسنا‏:‏ فصدرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه، ثم بحديث ابن عمر من وجهين أحدهما بلفظ ‏"‏ فإن غم عليكم فاقدروا له ‏"‏ والآخر بلفظ ‏"‏ فأكملوا العدة ثلاثين ‏"‏ وقصد بذلك بيان المراد من قوله فاقدروا له، ثم استظهر بحديث ابن عمر أيضا ‏"‏ الشهر هكذا وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة ‏"‏ ثم ذكر شاهدا من حديث أبي هريرة لحديث ابن عمر مصرحا بأن عدة الثلاثين المأمور بها تكون من شعبان، ثم ذكر شاهدا لحديث ابن عمر في كون الشهر تسعا وعشرين من حديث أم سلمة مصرحا فيه بأن الشهر تسع وعشرون، ومن حديث أنس كذلك، وسأتكلم عليها حديثا حديثا إن شاء الله تعالى‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏وقال صلة عن عمار الخ‏)‏ أما صلة فهو بكسر المهملة وتخفيف اللام المفتوحة ابن زفر بزاي وفاء وزن عمر كوفي عبسي بموحدة ومهملة من كبار التابعين وفضلائهم، ووهم ابن حزم فزعم أنه صلة ابن أشيم، والمعروف أنه ابن زفر، وكذا وقع مصرحا به عند جمع ممن وصل هذا الحديث، وقد وصله أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه ولفظه عندهم ‏"‏ كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية فقال‏:‏ كلوا‏.‏
فتنحى بعض القوم فقال إني صائم‏.‏
فقال عمار‏:‏ من صام يوم الشك ‏"‏ وفي رواية ابن خزيمة وغيره ‏"‏ من صام اليوم الذي يشك فيه‏"‏، وله متابع بإسناد حسن، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق منصور عن ربعي ‏"‏ أن عمارا وناسا معه أتوهم يسألونهم في اليوم الذي يشك فيه، فاعتزلهم رجل، فقال له عمار تعال فكل فقال‏:‏ إني صائم، فقال له عمار‏:‏ إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل ‏"‏ ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمار، وله شاهد من وجه آخر أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سماك عن عكرمة‏.‏
ومنهم من وصله بذكر ابن عباس فيه‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم‏)‏ استدل به على تحريم صوم يوم الشك لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع‏.‏
قال ابن عبد البر‏:‏ هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك‏.‏
وخالفهم الجوهري المالكي فقال‏:‏ هو موقوف‏.‏
والجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما‏.‏
قال الطيبي‏:‏ إنما أتى بالموصول ولم يقل يوم الشك مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى شك سبب لعصيان صاحب الشرع فكيف بمن صام يوما الشك فيه قائم ثابت، ونحوه قوله تعالى ‏(‏ولا تركنوا إلى الذين ظلموا‏)‏ أي الذين أونس منهم أدنى ظلم، فكيف بالظلم المستمر عليه‏؟‏ قلت‏:‏ وقد علمت أنه وقع في كثير من الطرق بلفظ ‏"‏ يوم الشك ‏"‏ وقوله ‏"‏ أبا القاسم ‏"‏ قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية الإشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك، وأما حديث ابن عمر فاتفق الرواة عن مالك عن نافع فيه على قوله ‏"‏ فاقدروا له ‏"‏ وجاء من وجه آخر عن نافع بلفظ ‏"‏ فاقدروا ثلاثين ‏"‏ كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله ابن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع‏.‏
قال عبد الرزاق‏:‏ وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به وقال ‏"‏ فعدوا ثلاثين ‏"‏ واتفق الرواة عن مالك عن عبد الله بن دينار أيضا فيه على قوله ‏"‏ فاقدروا له ‏"‏ وكذلك رواه الزعفراني وغيره عن الشافعي، وكذا رواة إسحاق الحربي وغيره في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ عن القعنبي، وأخرجه الربيع بن سليمان والمزني عن الشافعي فقال فيه كما قاله البخاري هنا عن القعنبي ‏"‏ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ‏"‏ قال البيهقي في ‏"‏ المعرفة ‏"‏ إن كانت رواية الشافعي والقعنبي من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك قد رواه على الوجهين‏.‏
قلت‏:‏ ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه فله متابعات، منها‏:‏ ما رواه الشافعي أيضا من طريق سالم عن ابن عمر بتعيين الثلاثين‏.‏
ومنها‏:‏ ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ ‏"‏ فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين ‏"‏ وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة، وأبي هريرة وابن عباس عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وعن أبي بكرة وطلق بن علي عند البيهقي، وأخرجه من طرق أخرى عنهم وعن غيرهم‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏لا تصوموا حتى تروا الهلال‏)‏ ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهارا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرق بين ما قبل الزوال أو بعد، وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقا، وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله ‏"‏ فإن غم عليكم فاقدروا له ‏"‏ فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر‏.‏
ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا‏:‏ المراد بقوله ‏"‏ فاقدروا له ‏"‏ أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخر المصرحة بالمراد وهي ما تقدم من قوله ‏"‏ فأكملوا العدة ثلاثين ‏"‏ ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث، وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة أيضا فرواها البخاري كما ترى بلفظ ‏"‏ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ‏"‏ وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل إن آدم شيخه انفرد بذلك فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه ‏"‏ فعدوا ثلاثين ‏"‏ أشار إلى ذلك الإسماعيلي وهو عند مسلم وغيره‏.‏
قال فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر‏.‏
قلت‏:‏ الذي ظنه الإسماعيلي صحيح، فقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ ‏"‏ فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ‏"‏ يعني عدوا شعبان ثلاثين، فوقع للبخاري إدراج التفسير في نفس الخبر‏.‏
ويؤيد رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين‏"‏، فإنه يشعر بأن المأمور بعدده هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد بلفظ ‏"‏ فأكملوا العدد ‏"‏ وهو يتناول كل شهر فدخل فيه شعبان، وروى الدار قطني وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام ‏"‏ وأخرجه أبو داود وغيره أيضا‏.‏
وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعا ‏"‏ لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ‏"‏ وقيل الصواب فيه عن ربعي عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته‏.‏
قال ابن الجوزي في ‏"‏ التحقيق ‏"‏ لأحمد في هذه المسألة - وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان - ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها يجب صومه على أنه من رمضان‏.‏
ثانيها لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا، بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة، وبه قال الشافعي‏.‏
وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك‏.‏
ثالثها المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر‏.‏
واحتج الأول بأنه موافق لرأي الصحابي راوي الحديث‏.‏
قال أحمد‏:‏ حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر فذكر الحديث بلفظ ‏"‏ فاقدروا له ‏"‏ قال نافع‏:‏ فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لما ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال أصبح صائما‏.‏
وأما ما روى الثوري في جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول‏:‏ لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فالجمع بينهما أنه في الصورة التي أوجب فيها الصوم لا يسمى يوم شك، وهذا هو المشهور عن أحمد أنه خص يوم الشك بما إذا تقاعد الناس عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته، فأما إذا حال دون منظره شيء فلا يسمى شكا‏.‏
واختار كثير من المحققين من أصحابه الثاني‏.‏
قال ابن عبد الهادي في تنقيحه‏:‏ الذي دلت عليه الأحاديث - وهو مقتضى القواعد - أنه أي شهر غم أكمل ثلاثين سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، فعلى هذا قوله ‏"‏ فأكملوا العدة ‏"‏ يرجع إلى الجملتين وهو قوله ‏"‏ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ‏"‏ أي غم عليكم في صومكم أو فطركم، وبقية الأحاديث تدل عليه فاللام في قوله ‏"‏ فأكملوا العدة ‏"‏ للشهر أي عدة الشهر، ولم يخص صلى الله عليه وسلم شهرا دون شهر بالإكمال إذا غم، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه فلا تكون رواية من روى ‏"‏ فأكملوا عدة شعبان ‏"‏ مخالفة لمن قال ‏"‏ فأكملوا العدة ‏"‏ بل مبينة لها‏.‏
ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى ‏"‏ فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا‏"‏‏.‏
أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عباس هكذا، ورواه الطيالسي من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان ‏"‏ وروى النسائي من طريق محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ ‏"‏ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين‏"‏‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فاقدروا له‏)‏ تقدم أن للعلماء فيه تأويلين، وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا‏:‏ معناه فاقدروه بحساب المنازل‏.‏
قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين‏.‏
قال ابن عبد البر‏:‏ لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة هو ممن يعرج عليه في مثل هذا‏.‏
قال‏:‏ ونقل ابن خويز منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ونقل ابن العربي عن ابن سريج أن قوله ‏"‏ فاقدروا له ‏"‏ خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله ‏"‏ فأكملوا العدة ‏"‏ خطاب للعامة‏.‏
قال ابن العربي‏:‏ فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، قال‏:‏ وهذا بعيد عن النبلاء‏.‏
وقال ابن الصلاح‏:‏ معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال‏:‏ فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه‏.‏
ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه وإنما قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في ‏"‏ المهذب ‏"‏ فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة فتعددت الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل‏:‏ أحدها الجواز ولا يجزئ عن الفرض، ثانيها يجوز ويجزئ، ثالثها يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم، رابعها يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم، خامسها يجوز لهما ولغيرهما مطلقا‏.‏
وقال ابن الصباغ أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا‏.‏
قلت‏:‏ ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك‏.‏
فقال في الإشراف‏:‏ صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته، هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، فمن فرق بينهم كان محجوجا بالإجماع قبله، وسيأتي بقية البحث في ذلك بعد باب‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏الشهر تسع وعشرون‏)‏ ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب لقول ابن مسعود ‏"‏ ما صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد، ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة في الباب أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما‏.‏
وقال ابن العربي‏:‏ قوله ‏"‏ الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا الخ ‏"‏ معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أي أنه يكون تسعا وعشرين وهو أقله، ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فلا تصوموا حتى تروه‏)‏ ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين‏.‏
ووافق الحنفية على الأول إلا أنهم خصوا ذلك بما إذا كان في السماء علة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحو لم يقبل إلا من جمع كثير يقع العلم بخبرهم‏.‏
وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال لأن قوله ‏"‏ حتى تروه ‏"‏ خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد‏.‏
وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب‏:‏ أحدها لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجها للشافعية‏.‏
ثانيها مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه‏.‏
وقال‏:‏ أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس‏.‏
قال القرطبي‏:‏ قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم‏.‏
وقال ابن الماجشون‏:‏ لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع‏.‏
وقال بعض الشافعية‏:‏ إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا وإن تباعدت فوجهان‏:‏ لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي‏.‏
وفي ضبط البعد أوجه‏:‏ أحدها اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في ‏"‏ الروضة ‏"‏ و ‏"‏ شرح المهذب‏"‏‏.‏
ثانيها مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في ‏"‏ الصغير ‏"‏ والنووي في شرح مسلم‏"‏‏.‏
ثالثها اختلاف الأقاليم‏.‏
رابعها حكاه السرخسي فقال‏:‏ يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنها بلا عارض دون غيرهم‏.‏
خامسها قول ابن الماجشون المتقدم واستدل به على وجوب الصوم والفطر على من رأى الهلال وحده وإن لم يثبت بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في الصوم، واختلفوا في الفطر فقال الشافعي‏:‏ يفطر ويخفيه‏.‏
وقال الأكثر‏:‏ يستمر صائما احتياطا‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏فإن غم عليكم‏)‏ بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم، يقال غممت الشيء إذا غطيته، ووقع في حديث أبي هريرة من طريق المستملي ‏"‏ فإن غم ‏"‏ ومن طريق الكشميهني ‏"‏ أغمى ‏"‏ ومن رواية السرخسي ‏"‏ غبى ‏"‏ بفتح العين المعجمة وتخفيف الموحدة وأغمى وغم وغمى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم، الكل بمعنى، وأما غبى فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة وهي استعارة لخفاء الهلال، ونقل ابن العربي أنه روى ‏"‏ عمى ‏"‏ بالعين المهملة من العمى قال وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو ذهاب البصيرة عن المعقولات‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ
الشرح‏:‏
قوله ‏(‏الشهر هكذا وهكذا وخنس الإبهام في الثالثة‏)‏ كذا للأكثر بالمعجمة والنون أي قبض، والانخناس الانقباض قاله الخطابي‏.‏
وفي رواية الكشميهني ‏"‏ وحبس ‏"‏ بالحاء المهملة ثم الموحدة، أي منع‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا أَوْ رَاحَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏عن يحيى بن عبد الله بن صيفي‏)‏ بمهملة وفاء وزن زيدي، وهو اسم بلفظ النسبة‏.‏
ووقع في رواية حجاج عن ابن جريج ‏"‏ أخبرني يحيى ‏"‏ أخرجه مسلم، وكذا صرح بالإخبار في بقية الإسناد، وسيأتي الكلام على حديث أم سلمة هذا مستوفى في كتاب الطلاق‏.‏
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏عن حميد عن أنس‏)‏ سيأتي في الطلاق من وجه آخر عن سليمان عن حميد أنه مع أنسا‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏تسعا وعشرين‏)‏ كذا للأكثر وللحموي والمستملي ‏"‏ تسعة وعشرين ‏"‏ وسيأتي بقية الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى‏.‏